| تموز 2010 - قراءة في حدث |
على عكس ما يبدو للناظرين ثمة ضحايا كثر للجريمة التى اقترفها اسرائيل ضد اسطول الحرية فى عمق البحر المتوسط عدا عن الشهداء التسعة وعشرات المصابين من الناشطين الذين كانوا عرضة لجنون وغطرسة القوة التى مارستها القوة البحرية الخاصة لجيش الاحتلال-شييطت- بأوامر مباشرة من نتن ياهو وباراك خريجي الوحدة الخاصة لرئاسة الاركان سييرت متكال التى ارتكبت بدورها عدداً من الجرائم فى فلسطين والمنطقة أيضا .
درة الردع الإسرائلية هى برأيى إحدى أهم الضحايا للقرصنة التى نفذتها وحدة شييطت فى عرض البحر تظهر عزيمة النشطاء كما تسيير الأسطول نفسه ان إسرائيل لم تعد قادرة على ردع أحد فى المنطقة لا سياسيا ولا عسكريا كما ان طريقة عمل الوحدة نفسها تؤكد زوال قدرة الردع الإسرائلية فى عيون أعدائها وكما تساءل أليكس فيشمان عن حق في يديعوت أحرونوت "اذا كانت هذه هى نتائج محاولة السيطرة على سفينة غير مسلحة على مسافة ربع ساعة من أسدود فما الذى ينبغى التفكير فيه عن المواجهة المتوقعة حيال إيران؟!
الضحية الثانية على المستوى الإسرائيلى الداخلي تتعلق بنابليون أو أكثر الجنرالات الإسرائليين حصولا على الأوسمة وزير الدفاع إهود باراك الذى فقد بريقه كقائد عسكرى استثنائى بعدما فقد بريقه كقائد وزعيم سياسى العبقرى والمتخصص فى فك وتركيب الساعات-وليس البوصلة- المحلل البارع لشوؤن الشرق الاوسط فى الحكومة بات في دائرة الاستهداف السياسى والإعلامي وتصاعدت الأصوات التى تطالب باستقالته وتحمله المسوؤلية عن الفشل الكبير والمدوى دانييل بن سيمون النائب السابق عن حزب العمل والصحافى أيضا لخص بدقة أزمة أو بالأحرى مكمن خطورة باراك على إسرائيل والمنطقة " ما زال يتصرف بعقلية الخمسينات وشريعة الغاب وفق قاعدة إما تأكل أو تؤكل " .
فى السياق الخارجى يمكن الإشارة أيضا إلى خسائر مهمة لإسرائيل فالعملية تعني نهاية أو موت التحالف الاستراتيجى مع تركيا ربما تستمر العلاقات في أبعاد مختلفة ديبلوماسية وحتى تجارية وأمنية الا انها فقدت حتما البعد الاستراتيجى فى ظل التناقض الكبير فى التوجهات والسياسات بين البلدين فتركيا التى تسعى إلى حلول دبلوماسية وسلمية لمشاكل المنطقة وفق الشرعية الدولية لا يمكن أن تتحالف استراتيجيا مع دولة تتصرف وفق شريعة الغاب وترتكب المجازر بشكل منهجى ومتسلسل وعن سبق إصرار وترصد منذ تأسيسها حتى الآن .
القرصنة الإسرائلية لم تؤد فقط إلى إعادة وضع حصار غزة الظالم وغير الأخلاقى على جدول الأعمال السياسى الدولى وإنما أدت أيضا إلى بداية العد التنازلى لكسره وهى مسألة وقت فقط حتى يتم انهاء الحصار جديا وعمليا إن كان الشكل المتبع ممرات انسانية كما نص القرار 1860 او فتح معبر رفح بشكل دائم للمواطنين والبضائع أو تسيير خط بحرى من غزة وإليها إنما الثابت والأكيد أن الحصار ولى إلى غير رجعة . بعد فشله في تحقيق اهدافه السياسية والاستراتيجية ..
جريمة المتوسط ستصب مزيد من الزيت على نار الغضب الدولية ضد إسرائيل كدولة ترتكب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وهى ستدفع الرياح في أشرعة جملات المقاطعة ضد الدولة العبرية على مستويات مختلفة سياسية واقتصادية وأكاديمية وأمنية كان عاموس عوز محقا عندما قال ليديعوت احرونوت" إن اسرائيل تتحول إلى دولة منبوذة وجرباء لا يرغب أحد بعلاقة معها الدولة التي تستخدم القوة العسكرية ضد مدنيين لابد من ان تخسر المعركة الأخلاقية ".
إحدى أهم التداعيات الأخرى لجريمة القرصنة الإسرائلية تتمثل بكونها الجريمة التي تفرغ مفاوضات التقريب-غير المباشرة- من محتواها وجدواها إذا كان ثمة أشياء كهذه أصلا وهي ستؤدى إلى خلق سيرورة تدفع ليس فقط باتجاه كسر الحصار وانما أيضا باتجاه إنهاء الانقسام وتكريس المصالحة الفلسطينية ليس وفق أجندات وأهواء وضغوط خارجية وإنما وفق المصلحة الوطنية العليا التى تقدم الحوار الداخلى وترتيب البيت الفلسطينى على الحوار والمفاوضات مع إسرائيل التى لم ولن تؤدى إلى أي نتيجة لا فى المدى المنظور ولا حتى فى المدى البعيد .
ماجد عزام/ مدير مركز شرق المتوسط

