تسجل معنا

الاسم:

البريد الاكتروني:

يوجد حاليا 1 زائر المتواجدين الآن بالموقع
تموز 2010 - قراءة في حدث

823 عاماً مرت على معركة حطين بعد احتلال دام تسعين عاماً لمدينة القدس ... لعل دائرة التسعين عاماً (الحالية) باتت على وشك التكوير الأخير

 
إذا قرأت في تاريخ الحروب الصليبية (1097/1291 م) ودخلتَ في معمعتها وأقبيتها واخترقَتْ أذناك عيق سيوفها وقرقعة سنابك خيلها وعويل منجنيقاتها ..لا بد وأن تكون قد انزلقَتْ بك القدم إلى زواريب المكتبات القديمة ودهاليزها، وأُصبتَ بإدمان البحث والتنقيب عن محور تلك الحملات المسعورة بقيادة الغرب الصليبي المتخلف ضد الشرق الإسلامي المتحضر.وأيقنت أن مدينة القدس كانت الهدف المنشوذ لتلك الحملات التي استمرت مئتي عام. واحتُلت المدينة المقدسة تسعين عاماً ولم يُرفع بها الأذان، بعدها تبدّدت كل تلك العقود بيوم واحد هو الثالث من تموز للعام 1187م يوم معركة حطين .

لم يحدث في التاريخ أن حشدت أوروبا مئات الآلاف من زهرة فرسانها بقيادة اثنين وعشرين ملكاً متوجاً على بلاده عدا عن المئات بعد المئات من القساوسة والبطاركة والبابا بذاته لمعركة الدفاع عن " مملكة بيت المقدس" والممالك الأخرى التي اغتصبوها في لحظة غفلة،

أي مدينة هذه التي تستحق التضحية بالأموال والأنفس والعروش؟! لولا الُمحرِض الديني للقادة والجند والعامة وحتى للملوك واللصوص ؟!

فلسفة حطين

حطين تلك الكلمة التي تدغدغ مشاعرنا وتنفخ كبرياءنا وتحرك عنفواننا، وتحيي الآمال فينا، نستحضرها دائماً بخطبنا ونرددها بأشعارنا وشعاراتنا ونتفنن في لفظها ونطلقها على الكثير من مسمياتنا بغية التمجيد والتبرك بها و الاقتداء بذلك اليوم الغابر... والمنتظر أيضاً، ولا فرق بين الحقبة الصليبية واليوم، فالعدو هو ذاته والمدينة هي القدس أيضا أرادوها عاصمة صليبية، يزعمون أنها تضم قبر المسيح ! واليوم يراد لها أن تكون عاصمة يهودية تضم " هيكل سليمان" وكذلك يزعمون، وبين هذه وتلك ثمانمئة عام ويزيد والقدس كما هي وشعبها العربي الفلسطيني المسلم هو ذاته، لم ينقطع الحبل المتين المتصل بالموقع والناس وبالاحتلال  والعدوان.

كثيرة هي المعارك والوقائع التي حدثت في العصور ولم يستمهلها التاريخ... ومضى بعد أن طوى سجلاتها،  إلا معركة حطين وقف عندها مشدوها... وانحنى!  فحطين ضربة قاصمة للقوى الصليبية وموقعة فاصلة في التاريخ أذهلت وحيّرت كبار علماء البحوث العسكرية والسياسية والاستراتيجية ..

انتهى أمر الجيوش الصليبية بكارثة ضخمة فصارت بأكملها بين قتيل وأسير وجريح، ومن جملة الأسرى ملك "مملكة بيت المقدس " (جان لوز جنان) وانتهت فاعلية الحملات الصليبية التي تلت حطين وخطرها بعد أن سُحقت قواهم في سهل حطين. ذلك اليوم مهّد لدخول بيت المقدس بعد سبعين يوماً من المعركة الفاصلة بعد أن تهاوت المدن والمستوطنات الصليبية في معظم الساحل الشامي.

يوم حطين لم يكن مشهداً مألوفاً كمشاهد مخرجي المسلسلات التلفزيونية، ولا هو تصوُّر خيالي لرواية عالمية شيقة حازت على (نوبل)، إنه يوم من الأهوال وإن أردت دخوله بمخيلتك للحظات انظر في كتاب الروضتين لأبي شامة وكتاب الفتح القدسي للعماد الأصفهاني والكامل في التاريخ لابن الأثير وكلهم من مؤرخي تلك الأيام، ولا تظن أن حطين كانت يوم عرس ومهرجان نصر وفرساناً تزهو وقادة تشرف على الاستعراضات بنياشينها ورتبها وأحذيتها اللامعة وخيولها التي تستعد للسبق ومنجنيقاتها المنشغلة برمي إحدى وعشرين طلقة إيذاناً ببدء الاحتفال !  الفرنجة الصليبيون ظلال قاتمة وهامات ذليلة تمضي ... ولو دخلت في جانب من تفاصيل ذلك اليوم لوجدت أن "حطين كانت أمّاً للملاحم وللموت الأحمر ولجوع السيوف وشراهة الرماح وعطش الفرسان، والخيل تقضم اللجام  وتزحف على بطونها والنيران تشوي الصدور المدرعة، جبلان من الكبرياء التقيا على مشارف سهل حطين وكل منهما كان حريصاً على دفن صاحبه هناك ... حطين كانت هولاً من الأهوال قبل أن تكون النصر المؤزر لصلاح الدين.

ما قبل حطين...

بعد سقوط بيت المقدس على يد الفرنجة الصليبيين تعمد هؤلاء ذبح سبعين ألفاً من المقدسيين بدم بارد في ساحة المسجد الأقصى وغاصت أقدام الخيل في دماء الشهداء. قاوم المقدسيون وكذلك من كان بأكناف بيت المقدس تسعين عاماً قبل صلاح الدين، وأبطالها قائمة طويلة من القادة الذين أطالوا عمر الصراع ومنهم ملوك وأمراء وقادة جند عرب وكرد وترك من الموصل ودمشق منهم كربوجا وجاولي ومودود والبرسقي وعماد الدين زنكي وولده نور الدين، ومن الجزيرة سقمان والغازي ونجم الدين ألبي من أربل وحران ثم الجمالي والوزير المأمون والولخشي من مصر واسماعيل ورنرد من دمشق أيضا،ً هذه بعض القائمة التي كانت الخطوات السابقة لصلاح الدين ودرجات السلّم الذي اعتلاه إلى حطين.

صلاح الدين يوسف بن أيوب أُرسله نور الدين محمود زنكي إلى مصر مع قائده وعمه الكردي أسد الدين شيركوه لرد الحملات الصليبية عن مصر الفاطمية يوم ذاك وبعد وفاة عمه ونور الدين والخليفة الفاطمي العاضد خَلَت الساحة لصلاح الدين مما جعله سيد نفسه وبيده زمام الأمر فعمل على توحيد الجبهة الإسلامية من مصر إلى الشام فالعراق والجزيرة واليمن. اتجه من مصر إلى سواحل الشام يصحبه جيش جرار وأشرف على سهل حطين تواكبه عشرات الكتائب الدمشقية المسلحة من فرسان ومشاة ومنجنيقات تجرها العربات، نظم صفوف جيشه وجعل أقواهم إيماناً وتقىً وأشدهم بأساً وصبراً في المقدمة .

حطين المعركة

حطين في يوم السبت الموافق الثالث من تموز للعام 1187م، أشرقت شمس يوم مشهود على تلال حطين و وسهلها وضع حد لآلام وهوان تسعين عاماً."  والتقى الجيشان، صنديد بصنديد وعناد بعناد وإيمان وإيمان وملوك بملوك وأمراء بأمراء ومات الرعب، وحده الصمت صار مخيفاً "، وانطلقت الكواسر(من كل حدب وصوب ينسلون) كتل الغبار أحاطت بالميدان وكأنها قنابل دخان أطلقت لتَوِّها لتعزل الأرض عن الجو، فلا ترى ولا تسمع إلا زعيق السيوف وصهيل الخيل و جؤار الفرسان قاتلاً وقتيلاً،" المنجنيقات تعول كالذئاب الجريحة والخيل تقضم اللجم والنيران تشوي الصدور المدرعة، النبال تنهمر كالمطر، النار تأكل الأخضر واليابس والخيل تركض والفرسان تركض ولا ملجأ للقوى الصليبية من النار إلا النار، على أكمّة حطين الجرداء ذات القرنين الصخريين هلكوا بنيران أربع مثل نيران الجحيم هلكوا: عطشاً هلكوا، بلهب تموز في الغور هلكوا بسعير القتال المرِّ هلكوا، بالعشب الجاف أحرق تحت أرجلهم هلكوا. إنه الموت المريع،القتل والأسر والجراح أصابت القوى الصليبية، سُحقوا حتى العظام.  وعندما انهارت خيمة ملكهم أيقن صلاح الدين أنهم انهاروا، وانهارت معهم مملكتهم التي اغتصبوها وكذلك أحلامهم. عندئذٍ ترجل صلاح الدين عن جواده وخرّ ساجداً للواحد القهار، بينما جنود جيشه يتابعون الحصاد البشري، أمّا ملكهم وأمراؤهم أذعنوا للسيف، بل أصبحوا للإذعان جسداً وعيناً ويداً ذليلة... كان من يرى القتلى لا يظن أن فيهم أسرى ومن يرى الأسرى لا يظن أن فيهم قتلى... و بينما قوافل الأسرى تسير نحو دمشق كانت جيوش صلاح الدين تتابع زحفها إلى باقي مستوطناتهم في فلسطين وتحاصر بيت المقدس (وللواقعة بقية).

هذا نذر يسير عن حطين والآن عاد لحطين وباقي مناطق فلسطين، صليبيون جدد في منتصف القرن الماضي ومنذ ذلك التاريخ وأهلها لم يستكينوا ولم يذعنوا أمام المجازر والحصار من جهة وأمام المساومين والتجار والطارئين من جهة ثانية، إنهم يسطرون أروع مشاهد التحدي والعنفوان والصمود والمقاومة ... هكذا المقدسيون دائماً.

لعل دائرة التسعين عاماً باتت على وشك التكوير الأخير... بلى هي تُشاهد الآن بأُم العين، بخيلها وليلها وفرسانها وعنادها ..وإيمانها.

ستكون حطين المقبلة قطعاً من الجحيم، تنفجر بالأرض والناس، وكأننا نراها من وراء الغيب راكدة خلف البحار ووراء الجبال والتلال.. الطرق المؤدية إلى فلسطين مفروشة بالأشلاء الغالية وبالجماجم المؤمنة،  قد انطفأت فيها العيون و نبت العشب الأخضر فوق أضلاعها.