| تموز 2010 - بناء الذات |
{وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (سبأ/6).
الإسلام دين الحق الذي ارتضاه الباري تعالى للخلق، وهو رسالة عالمية لم تختص بجنس أو شعب أو بلد، إنه رسالة الله للعالمين{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} (الأعراف/158). وقد اتضحت عظمة هذا الدين أكثر في زمن التقدم العلمي والتطور التقني، ذلك أن الإسلام هو دين العلم لأنه يخاطب العقل ويضيء بأنواره القلب... وهذه رحلة إيمان الدكتور الكندي جاري ملر واهتدائه عن طريق القرآن إلى صراط الله المستقيم.
الدكتور ملر كان داعية للنصرانية ومن الناشطين في ميدان التبشير، وهو يحب المنطق ويعشق الرياضيات، وقد دفعه فضوله العلمي للبحث في القرآن لعله يجد الأخطاء التي تعزز أفكاره في مواجهة المسلمين، وكان يتوقع أن كتاباً منذ أربعة عشر قرناً سيتحدث عن الصحراء! لكنه فوجئ بما وجده في هذا القرآن من موضوعات لم يسبق أن مرت معه في كتاب آخر. توقع أن يجد الأحداث المرتبطة بسيرة النبي وزوجته خديجة ووفاتها، لكنه لم يجد شيئاً من ذلك، بل ذهل عندما اكتشف أن في القرآن الكريم سورة باسم "مريم" أم المسيح فيها تكريم وتشريف لهما لم يجده عند النصارى أنفسهم، وازداد عجبه عندما وجد أن عيسى المسيح ذكر بالاسم خمساً وعشرين مرة فيما لم يذكر صاحب الرسالة محمد بالاسم إلا أربع مرات.
أخذ الدكتور يتمعن أكثر في هذا الكتاب، لكنه صعق بآية تحدٍّ لم يسبق أن مر معه مثلها: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (النساء/82). يقول ملر: "من المبادئ المعلمية المعروفة في الوقت الحاضر مبدأ إيجاد الأخطاء في النظريات إلى أن تثبت صحتها. والعجيب أن القرآن الكريم يدعو غير المسلمين إلى إيجاد الأخطاء فيه، ولن يجدوا". ويضيف: لا يوجد مؤلف في العالم يمتلك الجرأة ويؤلف كتاباً، ثم يقول: هذا الكتاب خالٍ من الأخطاء، لكن القرآن على العكس تماماً، يقول لك: لا يوجد أخطاء، بل يعرض عليك أن تجد فيه أخطاء، ولن تجد.
ومن السور التي زادت هذا العالم الكندي تأثراً واقتناعاً بأن القرآن من عند الله سورة المسد التي تتحدث عن أبي لهب. وهذا الرجل كان يكره الإسلام كرهاً شديداً ويشكك بكل قول يصدر عن النبي عليه الصلاة والسلام. وقبل عشر سنوات من موت أبي لهب نزلت سورة في القرآن تقرر أن أبا لهب سيذهب إلى النار، وبمعنى آخر لن يدخل الإسلام خلال السنوات التي تسبق موته. وكان يكفي لأبي لهب، لو كان القرآن من كلام محمد، أن يأتي أمام الناس، ويصرح: "محمد يقول إني لن أسلم، وسوف أدخل النار، ولكني أعلن الآن أني أريد أن أدخل في الإسلام وأصبح مسلماً". هذا يعني أن أبا لهب كان بإمكانه أن يهدم الإسلام بدقيقة واحدة لو كان القرآن من عند البشر، ولكن هذا الكلام وحي ممن يعلم الغيب، ويعلم أن أبا لهب لن يسلم. وكيف يكون محمد واثقاً من هذه الحقيقة لو لم يكن يعلم أن القرآن وحي من عند الله.
ومن الآيات التي تحدثت عن الغيب المستقبلي قوله تعالى في الآية 82 من سورة المائدة: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ}. يتحدث ملر عن التحدي بأشياء لا يمكن أن يتنبأ بها الإنسان، فالقرآن يقول أن اليهود هم أشد الناس عداوة للمسلمين، وهذا مستمر إلى وقتنا الحاضر. ويشرح ذلك بقوله إن هذا يعتبر تحدياً عظيماً، ذلك أن اليهود لديهم الفرصة لهدم الإسلام بأمر بسيط ألا وهو أن يعاملوا المسلمين معاملة طيبة لبضع سنين ويقولون عندها: ها نحن نعاملكم معاملة طيبة، والقرآن يقول إننا أشد الناس عداوة لكم، إذاً القرآن خطأ! ولكن هذا لم يحدث خلال 1400 سنة ولن يحدث، لأن هذا الكلام نزل من علام الغيوب.
هذه السور والآيات أوضحت للدكتور ملر عظمة القرآن الكريم وصدق الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام فشهد شهادة الحق واختار لنفسه اسم عبد الأحد عمر، وتحول إلى داعية لنشر هذا الدين الحنيف. وفي إحدى خطبه يتوجه بالكلام إلى المسلمين قائلاً: لقد جذبني لهذا الدين وضوح العقيدة... أيها المسلمون، لو أدركتم فضل ما عندكم لحمدتم الله الذي أنشأكم على هذا الدين العظيم. إن معنى النبوة والألوهية والوحي والرسالة والبعث والحساب... كل تلك المعاني عندكم وعند غيركم فرق ما بين السماء والأرض.

